أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

492

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« ولا جدال » ، فأبو عمرو لم يجعل النفيين الأوّلين نهيا ، بل تركهما على النفي الحقيقي ؛ فمن ثمّ كان في قوله هذا نظر ؛ فإنّ جملة النفي بلا التبرئة قد يراد بها النهي أيضا ، وقيل ذلك في قوله : لا رَيْبَ فِيهِ « 1 » . والذي يظهر في الجواب عن ذلك ما نقله أبو عبد اللّه « 2 » الفاسي عن بعضهم فقال : « وقيل : الحجّة لمن رفعهما أنّ النفي فيهما ليس بعامّ ، إذ قد يقع الرفث والفسوق في الحج من بعض الناس بخلاف نفي الجدال في أمر الحج فإنه عامّ . . . » وهذا يتمشّى على عرف النحويين فإنهم يقولون : لا العاملة عمل « ليس » لنفي الوحدة ، والعاملة عمل « إنّ » لنفي الجنس ، قالوا : ولذلك يقال : لا رجل فيها بل رجلان أو رجال أو رجال إذا رفعت ، ولا يحسن ذلك إذا بنيت اسمها أو نصبت بها . وتوسّط بعضهم فقال : التي للتبرئة نصّ في العموم ، وتلك ليست نصّا ، والظاهر أنّ النكرة في سياق النفي مطلقا للعموم . وقد تقدّم معنى الرّفث والفسق . وقرأ عبد اللّه « الرّفوث » وهو مصدر بمعنى الرّفث . وقوله : فَلا رَفَثَ وما في حيّزه في محلّ جزم إن كانت « من » شرطية ، ورفع إن كانت موصولة ، وعلى كلا التقديرين فلا بدّ من رابط يرجع إلى « من » ؛ لأنها إن كانت شرطية فقد تقدّم أنه لا بد من ضمير يعود على اسم الشرط ، وإن كانت موصولة فهي مبتدأ والجملة خبرها ولا رابط في اللفظ ، فلا بدّ من تقديره وفيه احتمالان : أحدهما : أن تقدّره بعد « جدال » تقديره : ولا جدال منه ويكون « منه » صفة ل « جدال » ، فيتعلّق بمحذوف ، فيصير نظير قولهم : « السّمن منوان بدرهم » تقديره : منوان منه . والثاني : أن يقدّر بعد الحج » تقديره : ولا جدال في الحجّ منه ، أو : له . ويكون هذا الجارّ في محلّ نصب على الحال من « الحج » . وللكوفيين في هذا تأويل آخر وهو أنّ الألف واللام نابت مناب الضمير ، والأصل : في حجّه ، كقوله : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ثم قال : فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى « 3 » أي : مأواه . وكرّر الحجّ وضعا للظاهر موضع المضمر تفخيما كقوله : 889 - لا أرى الموت يسبق الموت شيء * . . . « 4 » وكأنّ نظم الكلام يقتضي : « فمن فرض فيهنّ الحجّ فلا رفث فيه » ، وحسّن ذلك في الآية الفصل بخلاف البيت . والجدال مصدر « جادل » . والجدال : أشدّ الخصام مشتقّ من الجدالة ، وهي الأرض ؛ كأنّ كلّ واحد من المتجادلين يرمي صاحبه بالجدالة ، قال الشاعر : 890 - قد أركب الآلة بعد الآله * وأترك العاجز بالجداله « 5 » ومنه : « الأجدل » الصقر ، لشدّته . والجدل فتل الحبل ، ومنه : زمام مجدول أي محكم الفتل .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 2 ) . ( 2 ) محمد بن أحمد أبو عبد اللّه الفاسي المتوفى سنة 614 ه غاية النهاية ( 2 / 68 ) . ( 3 ) سورة النازعات ، آية ( 40 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) البيت للعجاج انظر ملحق ديوانه ( 2 / 315 ) ، اللسان « أول » .